عمّان – الأربعاء 23 أيلول 2026
نظم مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية حواراً وطنياً موسعاً حول أولويات إصلاح الحق في الصحة في الأردن، بمشاركة ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات النسائية والمبادرات المجتمعية، وذلك بهدف مناقشة أبرز التحديات التي تواجه ضمان الحق في الصحة، وتعزيز عدالة الوصول إلى الأدوية والخدمات الصحية.
ويأتي تنظيم الحوار في إطار جهود المركز لتعزيز المشاركة المجتمعية في النقاش حول السياسات الصحية، والاستفادة من الخبرات والتجارب التي تمتلكها مؤسسات المجتمع المدني والمبادرات المحلية، بما يسهم في رصد الفجوات والتحديات التي قد لا تظهر بصورة كافية في المؤشرات الرسمية، ونقل احتياجات المواطنين وتجاربهم إلى الجهات المعنية وصناع القرار.
وركز الحوار على بحث إمكانية تأسيس شبكة وطنية لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الحق في الصحة، بما يتيح توحيد الجهود والخبرات، وتنسيق العمل في قضايا الوصول العادل إلى الخدمات الصحية والأدوية، وتحويل المطالب والتحديات المتفرقة إلى أجندة مشتركة يمكن البناء عليها في الحوار والمناصرة ومتابعة السياسات الصحية.
وقال مدير مركز الفينيق، أحمد عوض، إن ضمان وصول المرضى إلى الأدوية بالجودة والكمية والوقت المناسبين يمثل جزءاً أساسياً من الحق في الصحة واستمرارية العلاج، مشيراً إلى أن الأردن يمتلك منظومة دوائية متقدمة نسبياً، إلا أن التحدي لا يرتبط فقط بتوفر الدواء داخل النظام الصحي، وإنما بمدى وصوله فعلياً إلى المريض في المكان والوقت المناسبين.
وأضاف أن تعزيز الحق في الصحة يتطلب تطوير إدارة متكاملة للمنظومة الصحية والدوائية تتمحور حول احتياجات المرضى، بما يشمل تحسين آليات التزويد والتوزيع، وتعزيز قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات والخدمات، وتطوير قنوات الشكاوى والمساءلة.
من جهتها، قالت منسقة المشاريع والباحثة في مركز الفينيق، عائشة برهومة، إن التحديات التي تواجه الحق في الصحة في الأردن لا ترتبط فقط بتوفير الخدمات الصحية، وإنما تمتد إلى سهولة الوصول إليها وجودتها واستمراريتها، مشيرة إلى وجود تفاوت في القدرة على الوصول إلى بعض الخدمات الصحية والأدوية بين الفئات والمناطق المختلفة في المملكة.
وأضافت أن تنظيم الحوار الوطني جاء انطلاقاً من إيمان المركز بأن الصحة حق أساسي من حقوق الإنسان، وليس مجرد قضية مرتبطة بتقديم الخدمات الصحية، موضحة أن العمل البحثي والميداني للمركز خلال السنوات الماضية أظهر وجود مجموعة من التحديات التي تؤثر على قدرة بعض الأشخاص، وخصوصاً الفئات الأكثر هشاشة، على الوصول إلى الخدمات الصحية والاستفادة منها بصورة عادلة.
وأوضحت برهومة أن الحوار يمثل مساحة تجمع مؤسسات المجتمع المدني والخبراء والأكاديميين والجهات المعنية، بهدف الانتقال من مرحلة تشخيص التحديات إلى مناقشة الحلول الممكنة، وتعزيز التنسيق حول السياسات والممارسات التي يمكن أن تسهم في تعزيز الحق في الصحة وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية.
وأشارت إلى أن التحديات التي تم رصدها لا تقتصر على وجود الخدمة الصحية من عدمه، وإنما تشمل أيضاً مدى سهولة الوصول إليها، ومستوى جودتها، واستمراريتها، إلى جانب التفاوت بين المناطق والفئات المختلفة، ووجود تحديات مرتبطة بوعي المواطنين بحقوقهم الصحية وآليات الحصول على الخدمات.
ولفتت إلى أن الوصول إلى الأدوية يمثل أحد الجوانب الرئيسية في هذا السياق، سواء من حيث توفر الأدوية أو قدرة المرضى على الوصول إليها، إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز آليات الشكاوى والتغذية الراجعة داخل المنظومة الصحية.
وأكدت برهومة أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني بصورة أكثر فاعلية في النقاش حول السياسات والخدمات الصحية، نظراً لما تمتلكه هذه المؤسسات من خبرة ميدانية وقدرة على الوصول إلى المجتمعات المحلية ورصد احتياجاتها ونقلها إلى صناع القرار.
وقالت إن التحديات لا تتمثل فقط في وجود فجوات في الخدمات، وإنما تشمل أيضاً فجوات في المشاركة والتنسيق والوصول إلى المعلومات، وهو ما يتطلب تعزيز قنوات التواصل بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات الرسمية والمجتمعات المحلية.
وخلال الحوار، بحث المشاركون إمكانية تأسيس شبكة وطنية لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الحق في الصحة، انطلاقاً من أهمية العمل الجماعي في تعزيز أثر جهود المؤسسات المدنية وتنسيق تدخلاتها.
وأكد المشاركون أن المؤسسات المدنية تمتلك خبرات وتجارب متنوعة، إلى جانب قدرتها على الوصول إلى فئات ومجتمعات مختلفة، وأن جمع هذه الخبرات ضمن إطار تشاركي يمكن أن يسهم في بناء صورة أكثر شمولاً عن واقع الحق في الصحة والوصول إلى الأدوية والخدمات الصحية في الأردن.
ومن المتوقع أن تساهم الشبكة المقترحة في تبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق الجهود، وتحديد القضايا ذات الأولوية، وإجراء أبحاث ودراسات بصورة أكثر تكاملاً، إلى جانب تطوير مواقف وتوصيات مشتركة وإيصالها بصورة أكثر تنظيماً إلى الجهات المعنية وصناع القرار.
وشدد المشاركون على أن الشبكة المقترحة لا تهدف إلى الحلول محل المؤسسات القائمة أو إلغاء أدوارها، وإنما إلى توفير مساحة للتعاون والتكامل، مع الحفاظ على استقلالية المؤسسات المشاركة وخبراتها وأدوارها.
وشكلت قضية عدالة الوصول إلى الأدوية والخدمات الصحية محوراً رئيسياً في النقاشات، حيث جرى التأكيد على أن توفر الدواء في المستودعات والمخازن المركزية لا يمثل مؤشراً كافياً بمفرده على ضمان الوصول الفعلي إلى العلاج.
وناقش المشاركون التحديات المرتبطة بسلاسل التوزيع وإعادة التزويد بين المرافق الصحية، والتفاوت في مستوى الوصول إلى الخدمات الصحية بين المحافظات والمناطق، إلى جانب الأعباء المالية التي يتحملها المرضى، وفاعلية قنوات الشكاوى والتغذية الراجعة المتاحة أمام المواطنين.
كما تناولت النقاشات احتياجات الفئات التي تواجه صعوبات أكبر في الوصول إلى الرعاية الصحية، ومن بينها النساء والأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن واللاجئون، مع التأكيد على أهمية توفير معلومات واضحة وشفافة للمرضى حول الخدمات والعلاجات المتاحة وحقوقهم داخل النظام الصحي.
وتوزعت أعمال الحوار على أربع مجموعات عمل رئيسية، تناولت الأولى أولويات إصلاح المنظومة الصحية، بما في ذلك الفجوات المتعلقة بعدالة الوصول واستمرارية العلاج والتفاوت الجغرافي واحتياجات الفئات الأكثر عرضة للتهميش.
وركزت المجموعة الثانية على كيفية تحويل الخبرات والتجارب المحلية إلى أجندة وطنية، من خلال الاستفادة من تجارب الجمعيات والمنظمات التي تعمل بصورة مباشرة مع المواطنين والمجتمعات المحلية، وتحويل هذه الخبرات إلى أوراق سياسات ومطالب إصلاحية مشتركة.
أما المجموعة الثالثة، فناقشت الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها شبكة وطنية لمنظمات المجتمع المدني، بما يشمل المناصرة والرقابة المجتمعية وتبادل المعلومات، وبناء قنوات حوار منتظمة مع الجهات الرسمية والبرلمان ونقابات القطاع الصحي والجامعات ووسائل الإعلام.
فيما ركزت المجموعة الرابعة على هوية الشبكة المقترحة وآليات عملها، بما في ذلك رسالتها ومبادئها ومجالات تدخلها وآليات اتخاذ القرار، مع التأكيد على استقلالية المؤسسات المشاركة وعدم تحويل الشبكة إلى إطار رسمي.
وأكد مركز الفينيق أن الحوار الوطني يمثل خطوة أولى ضمن مسار مدني يسعى إلى الانتقال من تشخيص المشكلات إلى بناء أجندة مشتركة للمناصرة والعمل، تقوم على تحديد مجموعة من الأولويات التي يمكن العمل عليها بصورة جماعية خلال المرحلة المقبلة.
وتشمل الأولويات التي جرى طرحها استمرارية الوصول إلى الأدوية الأساسية، وتحسين آليات إعادة التزويد بين المرافق الصحية، وتعزيز أنظمة الشكاوى والتغذية الراجعة، وتحسين الوصول إلى المعلومات الصحية، والعمل على الحد من الأعباء المالية المرتبطة بالحصول على العلاج.
كما جرى بحث تشكيل لجنة تنسيق مؤقتة خلال المرحلة المقبلة لمتابعة مخرجات الحوار، والعمل على تطوير الإطار المرجعي للشبكة المقترحة، وتوسيع المشاركة لتشمل مؤسسات ومبادرات أخرى تعمل في مجال الحق في الصحة، إضافة إلى إعداد أجندة أولية للمناصرة وتحديد القضايا ذات الأولوية.
وأكد مركز الفينيق أن تعزيز الحق في الصحة مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل أدوار المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والجهات الأكاديمية والمهنية والمجتمعات المحلية، وأن دور المجتمع المدني لا يقتصر على رصد التحديات، وإنما يشمل أيضاً تقديم المقترحات والمساهمة في تطوير السياسات وتعزيز المساءلة المجتمعية.
وأشار المركز إلى أن الحوار الوطني والشبكة المدنية المقترحة يهدفان إلى تأسيس مسار مستمر ومنظم للعمل المشترك، لا يقتصر على عقد اللقاءات، وإنما ينتقل إلى إنتاج المعرفة والأبحاث وأوراق السياسات، وتطوير مقترحات عملية، ومتابعة تنفيذها، وتعزيز الحوار المنتظم حول قضايا الصحة والدواء في الأردن.