المرصد العمّالي الأردني - رزان المومني
بين تشريعات تبدو متقدمة على الورق وواقع عملي يكشف فجوات واسعة في التطبيق، يبقى ملف السلامة والصحة المهنية في الأردن عالقًا بين النصوص القانونية والتنفيذ الفعلي داخل مواقع العمل.
فالعاملون في قطاع السلامة والصحة المهنية (مشرفي السلامة في المنشآت)، الذين يُفترض أن يشكلوا خط الدفاع الأول لحماية العمّال، يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان بلا صلاحيات حقيقية، وبأدوات حماية محدودة، وفي بيئات عمل لا تمنح السلامة أولوية فعلية.
ورغم تصنيف مهنة مشرفي السلامة والصحة المهنية ضمن جدول المهن الخطرة المعتمد لدى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، إلا أن العاملين في هذا القطاع يواجهون تحديات متعدّدة، أبرزها تدني الأجور مقارنة بحجم المخاطر والمسؤوليات، وغياب مسار وظيفي واضح، فضلًا عن ضغوط العمل وتحمل المسؤوليات القانونية في بيئات تفتقر أحيانًا إلى الحد الأدنى من متطلبات السلامة.
ولا تتوفر بيانات رسمية دقيقة ومحدثة حول العدد الإجمالي للعاملين في القطاع، فيما تشير بيانات وزارة العمل إلى اعتماد 399 مشرف سلامة وصحة مهنية، و94 لجنة صحة مهنية خلال الثلث الأول من عام 2024، في مؤشر على توسع كمي لا يوازيه بالضرورة تحسن في جودة الحماية أو فاعلية التطبيق.
يوقّع على الحادث.. دون أن يملك قرار منعه
يبدأ أحمد (32 عامًا) يومه منذ ساعات الصباح الأولى، حاملاً دفتر الملاحظات وخوذة السلامة، ويدخل موقع العمل مدركًا أن تفصيلًا صغيرًا قد يصنع الفارق بين النجاة والمأساة.
يعمل أحمد مشرف سلامة في إحدى شركات الإنشاءات، لكنه يقول إن دوره "موجود على الورق أكثر مما هو على أرض الواقع".
ويروي أنه طلب ذات يوم إيقاف العمل في أحد الطوابق المرتفعة بسبب غياب أدوات الحماية الكافية للعمّال، إلا أن رد الإدارة كان صادمًا: "أكمل عملك وبعدها تحدث عن السلامة".
يعرف أحمد أن قراره كان صحيحًا، لكنه لم يكن يملك الصلاحية الكافية لتنفيذه. وبعد أيام، سقط أحد العمّال وأصيب بكسور خطيرة.
ويقول لـ"المرصد العمّالي الأردني": "وقّعت على التقرير، لكن الحقيقة أنني لم أكن قادرًا على إيقاف الخطر".
ويضيف أن أصعب ما في عمله ليس الخطر بحد ذاته، بل الشعور بالعجز أمامه، موضحًا أن مشرف السلامة قد يتحمل المسؤولية القانونية عن الحوادث، لكنه لا يمتلك دائمًا سلطة اتخاذ القرار، وهو ما يصفه بـ"المعضلة الحقيقية" في المهنة.
تحمي العمّال.. فمن يحميها؟
أما سناء (28 عامًا)، فهي واحدة من عدد محدود من النساء العاملات في مجال السلامة المهنية داخل قطاع صناعي.
تتنقل يوميًا بين خطوط الإنتاج، تراقب وتوجّه وتشرح للعمّال أهمية الالتزام بإجراءات السلامة، لكنها تؤكد أن التحدي لا يقتصر على طبيعة العمل، بل يشمل بيئة العمل نفسها.
وتقول إن بعض المهام تتطلب التعامل مع مواد خطرة، في وقت لا تتوفر فيه أدوات حماية كافية، مضيفة: "يقولون لي: ديري بالك.. لكن كيف؟".
وتشير إلى أنها تعمل لساعات طويلة تصل أحيانًا إلى 10 ساعات يوميًا، مقابل راتب لا يتجاوز 290 دينارًا شهريًا، فضلًا عن شعورها الدائم بأنها مطالبة بإثبات كفاءتها أكثر من غيرها.
وتوضح أنها تحاول باستمرار حماية العمّال من المخاطر، لكنها تشعر في المقابل أن جهودها تفتقر إلى الدعم الحقيقي من الإدارة، وأن الحماية التي يفترض أن تُمنح لمشرفي السلامة أنفسهم ما تزال غائبة.
مشرف واحد لثلاثة مواقع
أما محمود (41 عامًا)، فيعمل مشرف سلامة لثلاثة مواقع عمل في الوقت ذاته، متنقلًا بينها بسيارته محاولًا تغطية مهام التفتيش والتدريب وإعداد التقارير.
ويقول إن الحوادث تقع أحيانًا في أحد المواقع أثناء وجوده في موقع آخر، ما يجعله يشعر بأنه "متأخر دائمًا خطوة عن الخطر".
ويضيف أن الشركة تعتبر تكليفه بالإشراف على عدة مواقع "توفيرًا للنفقات" بدل تعيين أكثر من مشرف، لكن النتيجة، بحسب وصفه، هي "رقابة شكلية".
ويكشف أنه في أحد الأيام تعرّض عامل لحادث أدى إلى بتر إصبعه بسبب آلة غير مغطاة بشكل جيد، في موقع لم يزره منذ يومين.
ويقول: "لو كنت موجودًا ربما لم يكن الحادث ليقع، لكن كيف يمكن أن أكون في ثلاثة أماكن في الوقت نفسه؟".
ويرى محمود أن المشكلة لا تتعلق فقط بتدني الأجور أو ضغط العمل، بل بطريقة تعامل بعض المؤسسات مع ملف السلامة باعتباره "بندًا إداريًا" لا أولوية حقيقية.
الفناطسة: عمّال السلامة أنفسهم بلا حماية كافية
من جانبه، يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمّال الأردن خالد الفناطسة لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن واقع قطاع السلامة والصحة المهنية في الأردن ما يزال يواجه تحديات جوهرية، أبرزها ضعف تطبيق معايير السلامة على أرض الواقع، رغم وجودها في التشريعات.
ويوضح أن قانون العمل الأردني يُلزم المنشآت التي توظف 40 عاملًا فأكثر بتشكيل لجان سلامة مهنية وتعيين مشرفين مختصين ومؤهلين، يتحدد عددهم وفق حجم المنشأة وطبيعة نشاطها، إلا أن الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي ما تزال واضحة.
ويلفت إلى أن مشرفي السلامة يتولون مهام حيوية تشمل تقييم المخاطر، وإجراء الجولات التفتيشية، وتدريب العاملين، وإعداد خطط الطوارئ، والتحقيق في الحوادث، إلا أن هذه المسؤوليات الكبيرة لا تقابلها دائمًا بيئة عمل مستقرة أو حماية مهنية كافية.
ويؤكد أن الخلل الأبرز يتمثل في ضعف ثقافة السلامة داخل العديد من المنشآت، حيث ما تزال إجراءات الوقاية تُعامل باعتبارها متطلبات شكلية، في ظل التهاون باستخدام معدات الحماية الشخصية، وضعف التدريب، وعدم إجراء تقييمات دقيقة للمخاطر.
ويضيف أن هذا الواقع يتفاقم بسبب ضعف الصيانة الدورية للمعدات، وتراجع الرقابة والتفتيش، فضلًا عن تجاهل الضغوط النفسية والاجتماعية المرتبطة ببيئة العمل، مثل ضغط العمل وساعات الدوام الطويلة، ما ينعكس على ارتفاع معدلات الحوادث والإصابات.
كما يحذر من خطورة التدريب غير الكافي، خصوصًا عند تغيير أو تحديث مرجعيات السلامة، لأن ذلك يخلق شعورًا زائفًا بالأمان لدى العاملين، ويزيد احتمالية وقوع الحوادث واستمرار الممارسات غير الآمنة.
ويشير إلى أن إهمال دور مشرف السلامة داخل المنشآت يؤدي إلى تبعات خطيرة تبدأ بارتفاع الإصابات وقد تصل إلى الوفيات، إضافة إلى الخسائر المادية وتعطل الإنتاج والمساءلة القانونية.
كما يؤكد أن كوادر السلامة والصحة المهنية نفسها تتعرض لانتهاكات عمّالية، تشمل نقص معدات الحماية، وضعف التدريب، والعمل في بيئات خطرة دون ضمانات كافية، إلى جانب تدني الأجور وغياب الحمايات الاجتماعية والتأمين الصحي.
ويرى الفناطسة أن تحسين واقع القطاع يتطلب إجراءات عاجلة، أبرزها تعزيز ثقافة السلامة باعتبارها جزءًا أساسيًا من بيئة العمل، وفرض التدريب الدوري، وتوفير معدات الحماية وصيانتها، وتطوير خطط طوارئ فعالة، وتشجيع العاملين على الإبلاغ عن المخاطر دون خوف.
كما يشدد على ضرورة تعزيز الرقابة على المنشآت، وتحسين بيئة العمل من حيث التهوية والإضاءة والتنظيم، بما ينعكس إيجابًا على سلامة العاملين وإنتاجيتهم.
ويعتبر أن إنشاء نقابة متخصصة للعاملين في قطاع السلامة والصحة المهنية بات ضرورة ملحّة لحماية حقوقهم، وتطوير المعايير المهنية، وتعزيز الرقابة، ونشر ثقافة الوقاية.
أبو نوّاس: مشرف السلامة.. دور بلا صلاحيات
بدوره، يؤكد خبير السلامة والصحة المهنية المهندس أسامة أبونوّاس أن الفجوة بين التشريعات والتطبيق ما تزال قائمة، بما يكشف عن خلل حقيقي يهدد سلامة العاملين واستدامة المؤسسات.
ويوضح أن السلامة المهنية لم تعد تقتصر على أدوات وقائية تقليدية، بل أصبحت منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم والتدريب، وتمر بثقافة مؤسسية واعية، وتنتهي بقرار حاسم قد ينقذ حياة إنسان.
ويتساءل عن مدى قدرة السوق على إعداد كوادر مؤهلة فعليًا، في ظل تضخم أعداد العاملين في القطاع مقابل تراجع الكفاءة، خاصة مع دخول أعداد كبيرة عبر برامج تدريبية متفاوتة الجودة.
ويلفت إلى أن الكوادر تتركز في القطاعات الكبرى، مقابل نقص واضح في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ما يخلق فجوة في الحماية الفعلية للعاملين، في وقت تلجأ فيه بعض المؤسسات إلى تعيين مشرف واحد لعدة مواقع، ما يحد من فعالية الإشراف.
ويؤكد الحاجة إلى نظام وطني موحد لتسجيل وترخيص مزاولة المهنة، يضمن ضبط الأعداد والكفاءات وتوزيعها بشكل عادل.
كما يشير إلى أن منح مراكز تدريب صلاحيات واسعة دون رقابة كافية أدى إلى تخريج أعداد كبيرة من الحاصلين على شهادات لا يمتلكون المعرفة والمهارات اللازمة، وهو ما انعكس سلبًا على جودة الكوادر في سوق العمل.
ويلفت كذلك إلى غياب المناهج الأكاديمية المتخصصة في عدد من الجامعات، رغم التوسع في طرح تخصصات السلامة المهنية، ما يضعف الأساس العلمي للطلبة ويزيد الاعتماد على التدريب الخارجي غير المنضبط.
ويحذر أبونوّاس من أن التدريب غير الكافي لا ينتج فقط كوادر ضعيفة، بل يخلق بيئات عمل خطرة، موضحًا أن كثيرًا من مشرفي السلامة، رغم امتلاكهم شهادات، يفتقرون إلى القدرة على تقييم المخاطر واتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة.
ويرى أن بعض الشركات تتعامل مع مشرف السلامة باعتباره متطلبًا قانونيًا شكليًا، دون منحه الصلاحيات أو الدعم اللازم، بل قد يتم تجاهل توصياته وتحميله المسؤولية عند وقوع الحوادث، ما يحول دوره إلى "واجهة شكلية" بدل أن يكون عنصرًا وقائيًا فاعلًا.
ويشدد على أن إصلاح القطاع يجب أن يبدأ بضبط جودة التدريب، عبر إعادة تقييم مراكز التدريب والمحتوى التدريبي، محذرًا من تحول المهنة إلى أحد مسببات البطالة نتيجة تخريج أعداد تفوق حاجة السوق.
كما يدعو إلى تفعيل التفتيش الدوري والمنهجي، واعتماد نظام ترخيص مهني يربط بين الشهادة والكفاءة، وتمكين مشرفي السلامة قانونيًا، إلى جانب رفع وعي أصحاب العمل بالعائد الاقتصادي للسلامة المهنية.
ويؤكد أن إنشاء نقابة أو هيئة مهنية متخصصة أصبح ضرورة لتنظيم القطاع، وحماية العاملين، وضبط معايير المهنة، وتعزيز الاحترافية.
الصبيحي: التأهيل والتدريب الحلقة المفقودة
من جهته، يشير الخبير في التأمينات الاجتماعية والناطق السابق باسم المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي موسى الصبيحي إلى وجود فجوة تاريخية في دور وزارة العمل ومؤسسة الضمان الاجتماعي، تتعلق بغياب برامج التدريب وإعادة التأهيل، رغم مرور نحو 46 عامًا على تطبيق قانون الضمان الاجتماعي.
ويؤكد أن التعديلات الأخيرة على قانون الضمان الاجتماعي تمثل تطورًا مهمًا، بعدما نصّت على تخصيص 1 بالمئة من فائض الاشتراكات السنوية لتمويل برامج السلامة والصحة المهنية، بما قد يوفر نحو 1.5 مليون دينار سنويًا.
ويوضح أن لجنة العمل النيابية وسّعت هذا التوجه بحيث لا تقتصر البرامج على التوعية والإجراءات الوقائية، بل تشمل أيضًا إعادة تأهيل مصابي العمل، في خطوة تهدف إلى سد فجوة طال تجاهلها.
ويرى الصبيحي أن الخلل في قطاع السلامة المهنية لا يرتبط فقط بالتشريعات أو التمويل، بل بضعف التفعيل، خصوصًا في المنشآت الصغيرة التي تغيب عنها الرقابة الفاعلة وتتراجع فيها أدوار مشرفي السلامة على أرض الواقع.
ولا يتفق الصبيحي مع تصنيف مهنة مشرفي السلامة والصحة المهنية ضمن المهن الخطرة، باعتبار أن دورهم إشرافي بالدرجة الأولى، إلا أنه يشدد على أهمية تفعيل هذا الدور بشكل حقيقي، خاصة في البيئات الصناعية عالية الخطورة.
ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تنظيم قطاع السلامة المهنية، من خلال تفعيل الأدوار المؤسسية، وعلى رأسها إعادة تفعيل معهد السلامة والصحة المهنية التابع لوزارة العمل، بما يسهم في رفع كفاءة الكوادر وتنظيم المهنة.
ويعتبر أن توجيه جزء من فوائض تأمين إصابات العمل نحو برامج السلامة وإعادة التأهيل يمثل خطوة ضرورية، ليس فقط لحماية العاملين، بل لضمان استدامة سوق العمل وتقليل الكلف الاقتصادية المترتبة على الحوادث والإصابات.