المرصد العمّالي الأردني - رزان المومني
لم تمض أسابيع قليلة على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتوسعها الإقليمي حتى بدأ قطاع السياحة في الأردن، يعكس أولى ارتداداتها المباشرة، وبخاصة مع تراجع الحجوزات وارتفاع الإلغاءات وإغلاق منشآت سياحية وفقدان مئات العاملين وظائفهم.
ويُعد القطاع السياحي من أكثر القطاعات تأثرا بالأزمات الجيوسياسية، إذ تؤدي التحذيرات الأمنية وتراجع حركة الطيران وانخفاض ثقة المسافرين إلى انكماش سريع في أعداد السياح، حتى في الدول غير المنخرطة مباشرة في النزاعات.
وفي الأردن، لم يبقِ هذا التراجع محصورا في أرقام الفنادق والمطاعم، بل امتد سريعا إلى حياة العاملين في القطاع، مع تقليص ساعات العمل وتراجع الدخول وازدياد المخاوف من فقدان الوظائف، في قطاع يشغّل أكثر من 60 ألف عامل وعاملة.
وبين البحر الميت والبتراء وعمّان وعجلون، تتكشف صورة أكثر قسوة من الأرقام؛ مرشدون سياحيون بلا وفود، وفنادق تعمل بنصف طاقتها، ومشاريع عائلية تواجه انخفاضا حادا في الإيرادات وصل في بعض الحالات إلى 70 بالمئة.
وفي وقت تتوسع فيه دائرة التأثر لتشمل مكاتب السياحة والنقل والخدمات المساندة، يحذّر عاملون وخبراء ونقابيون، في حديثهم لـ"المرصد العمّالي الأردني"، من تداعيات استمرار التراجع على واحد من أهم القطاعات الاقتصادية في المملكة، وسط دعوات لإطلاق حزم دعم عاجلة وإنشاء صندوق طوارئ لحماية العاملين والمنشآت السياحية.
ووفق بيانات وزارة السياحة والآثار حتى كانون الأول 2025، يبلغ عدد العاملين في القطاع السياحي في الأردن 60,068 عاملا وعاملة، موزعين على 3,809 منشآت سياحية تشمل الفنادق والمطاعم ومكاتب السياحة والسفر وتأجير السيارات وغيرها.
وتشير البيانات إلى أن العاملين في المطاعم السياحية والفنادق يشكلون النسبة الأكبر من عمالة القطاع، بواقع 24,020 عاملا وعاملة في المطاعم السياحية و22,943 في الفنادق. لكن خلف هذه الأرقام، تكشف قصص العاملين عن هشاشة متزايدة في أوضاعهم المعيشية، مع تراجع الدخل وفقدان بعض فرص العمل.
ينتظر استمراره في العمل
في أحد المطاعم السياحية التابعة لفندق مطل على البحر الميت، كان محمود (39 عاما) يعمل إلى جانب 15 موظفا يقدمون خدماتهم لزوار من مختلف الجنسيات، في مكان كان يعج بالحركة، خصوصا خلال عطلات نهاية الأسبوع.
اليوم، باتت معظم الطاولات فارغة، وانخفض عدد العاملين إلى سبعة فقط، وكان محمود من القلة الذين استمروا في العمل. ورغم احتفاظه بوظيفته، تقلصت ساعات عمله إلى النصف تقريبا، وانخفض دخله من 450 إلى 230 دينارا.
يقول محمود: "أعمل 10 ساعات يوميا لكن دخلي لم يعد يكفي، وأعيش حالة من القلق المستمر، فكل يوم أذهب للعمل وأنا لا أعرف إن كنت سأستمر أم سيتم الاستغناء عني".
ويشير إلى أن الأثر النفسي للأزمة أصبح مرهقا، في ظل غياب الاستقرار وعدم تلقيه أي دعم، مطالبا بحلول تحمي العاملين في القطاع السياحي.
دليلة سياحية بلا وفود
درست رهام (30 عاما) السياحة والآثار، وأتقنت اللغتين الإنجليزية والفرنسية لتعمل مرشدة سياحية تستقبل الوفود القادمة من فرنسا والولايات المتحدة، وتجوب معهم المواقع الأثرية، وتروي لهم قصص الحضارات التي مرّت على الأردن.
قبل أشهر، كانت برامجها السياحية مزدحمة بشكل شبه يومي، أما اليوم فتقول إن الوفود السياحية شبه متوقفة مع استمرار التوترات الإقليمية، ما أفقدها مصدر دخلها الأساسي. وتوضح أنها حاولت التكيّف عبر العمل في الترجمة عن بُعد، لكنها لم تجد فيه لا الشغف ولا الاستقرار المالي.
وتقول: "كنت أرى انبهار السياح بتاريخ الأردن في عيونهم، وكان عملي مليئا بالحياة. اخترت هذا التخصص لأكون جسرا للتعريف بتراث الأردن، لكن الظروف أبعدتني عن مهنتي".
وتؤكد أن غياب السياحة لا يعني خسارة مالية فقط، بل خسارة لشغف أجيال كاملة درست هذا المجال، مطالبة بإجراءات عاجلة لدعم العاملين الذين فقدوا أعمالهم أو تراجعت دخولهم بشكل حاد.
مشاريع عائلية تواجه التراجع
ولم تكن المشاريع الصغيرة والعائلية بمنأى عن تداعيات الأزمة، إذ يواجه مشروع محمد العائلي لإنتاج المأكولات الشعبية انخفاضا حادا في الإيرادات وصل إلى 70 بالمئة.
ويعتمد محمد وأسرته، المكوّنة من خمسة أفراد، على المشروع كمصدر دخل رئيسي، في وقت تصل فيه التزاماتهم الشهرية إلى نحو 600 دينار، وهو مبلغ بات بالكاد قادرا على تغطيته.
ويقول إن انخفاض أعداد الزوار، سواء من السياح الأجانب أو المحليين، أثّر بشكل مباشر على عمله، مشيرا إلى أن برنامج "أردننا جنة" كان من أكثر الفترات التي شهد فيها المشروع انتعاشا.
ويدعو إلى دعم المشاريع السياحية الصغيرة والمتوسطة وإطلاق برامج تحفيزية تعيد تنشيط السياحة وتخفف من آثار التراجع على العاملين فيها.
البتراء.. إغلاق أكثر من 30 فندقا ومخاوف من تزايد البطالة
وفي البتراء، أحد أبرز المقاصد السياحية في الأردن، تبدو التداعيات أكثر حدّة، مع إغلاق عشرات المنشآت السياحية وتراجع الحركة إلى مستويات غير مسبوقة.
ويكشف صاحب أحد الفنادق المغلقة في البتراء والناطق الرسمي باسم الجمعيات السياحية عيد النوافلة، في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني"، أن أكثر من 30 فندقًا أغلقت أبوابها في المدينة، يعمل في كل منها ما لا يقل عن 22 عاملا.
ويشير النوافلة إلى أن نحو 20 مكتبا سياحيا أغلقت كذلك، فيما أصبحت المطاعم والمقاهي ومحال التحف الشرقية شبه متوقفة عن العمل، إلى جانب تضرر جمعية الخيل التي تضم 353 صاحب راحلة من أبناء المجتمع المحلي.
ويصف الوضع السياحي في البتراء بأنه "منكوب"، موضحًا أن اعتماد المدينة شبه الكامل على السياحة جعل آثار التراجع تنعكس مباشرة على العمال وأصحاب المنشآت.
ويقدّر النوافلة عدد الذين فقدوا أعمالهم بنحو ألفي عامل، لافتا إلى أن الفندق الذي يمتلكه كان يشغّل 22 موظفا توقفوا جميعا عن العمل، في وقت لا يزال يلتزم فيه بدفع اشتراكات الضمان الاجتماعي عنهم رغم ارتفاع كلف التشغيل.
وينتقد النوافلة برنامج "أردننا جنة"، معتبرا أنه لا ينعكس فعليا على البتراء، وتستفيد منه أربعة فنادق فقط، مقترحا إعادة توجيه مخصصات البرنامج لدعم المنشآت السياحية والعاملين المتضررين بشكل مباشر.
وكان قد حذر "المرصد العمّالي الأردني" مؤخرا، في تقرير صادر عنه، من ارتفاع معدلات البطالة خلال الأرباع القادمة، جرّاء تضرر العديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية وعلى رأسها قطاع السياحة من الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية، وفقدان مئات العاملين والعاملات وظائفهم.
مطالب بخطة طوارئ لإنقاذ القطاع
وفي ظل تصاعد الخسائر، أصدرت الفعاليات السياحية ومقدمو الخدمات وأبناء المجتمع المحلي في البتراء بيانا عبّروا فيه عن "قلق بالغ" إزاء التدهور الذي يعيشه القطاع السياحي في المدينة، مؤكدين أن الأزمة الحالية تأتي امتدادا لمعاناة مستمرة منذ سنوات.
وأشار البيان إلى أن التراجع الحاد في أعداد الزوار بفعل التوترات الإقليمية انعكس بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والمعيشية في البتراء، التي تعتمد بشكل رئيسي على السياحة كمصدر دخل أساسي.
وحذّر البيان من أن استمرار التراجع دون تدخلات حقيقية يهدد استدامة القطاع السياحي ويرفع معدلات البطالة ويؤثر على استقرار المجتمع المحلي.
وطالبت الفعاليات السياحية بوضع خطة طوارئ لإنقاذ القطاع، وتقديم حزم دعم عاجلة للمنشآت والعاملين، إلى جانب تكثيف الجهود التسويقية وتعزيز صورة الأردن كوجهة آمنة ومستقرة، وإشراك ممثلي القطاع المحلي في القرارات المتعلقة بالسياحة.
النقابة: المؤشرات مقلقة لكن يمكن احتواؤها
من جهته، يؤكد رئيس النقابة العامة للعاملين في الخدمات العامة والمهن الحرة خالد أبو مرجوب أنه لا يمكن حتى الآن تقديم رقم دقيق لعدد العاملين الذين فقدوا وظائفهم نتيجة التوترات الإقليمية.
ويشير أبو مرجوب، في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني"، إلى أن المؤشرات الأولية تُظهر تراجعا في الطلب السياحي انعكس على فرص العمل، خصوصا في الأنشطة الأكثر ارتباطا بالسياحة الخارجية مثل المكاتب السياحية والنقل السياحي والفنادق.
ويوضح أن الأثر، رغم وضوحه، "ما يزال ضمن حدود يمكن التعامل معها"، ولم يصل إلى مرحلة فقدان واسع للوظائف أو انهيار في سوق العمل السياحي، مرجعا ذلك إلى مرونة القطاع والإجراءات الاحترازية المتخذة.
ويؤكد أن النقابة تتابع أوضاع العاملين بشكل مباشر، من خلال رصد أي تجاوزات تمس حقوقهم والتواصل مع الجهات المعنية لضمان عدم التعسف في إنهاء الخدمات. كما تعمل، بحسب أبو مرجوب، على توعية العمال بحقوقهم القانونية والدفع نحو حلول توازن بين استمرارية المنشآت وحماية العاملين.
ويدعو أبو مرجوب إلى تعزيز السياحة الداخلية كخيار سريع لتعويض جزء من التراجع، إلى جانب تقديم حوافز للمنشآت للحفاظ على العمالة بدل الاستغناء عنها، مثل تخفيض كلف التشغيل أو منح إعفاءات مؤقتة.
ويشير إلى أهمية اعتماد أنماط عمل مرنة، كتخفيض ساعات العمل مؤقتًا بدل الفصل، والتوسع في برامج التدريب وإعادة التأهيل لتمكين العاملين من التكيف مع متغيرات السوق.
21 بالمئة من الاقتصاد ومطالب بصندوق طوارئ
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن تراجع القطاع السياحي ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني، في ظل مساهمته بنحو 21 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي واعتباره أحد أبرز مصادر العملات الأجنبية.
ويحذر عايش، في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني"، من أن استمرار هذا التراجع لا يقتصر أثره على المنشآت السياحية، بل يمتد إلى قطاعات مرتبطة بها، لا سيما التجزئة والخدمات، ما قد يدفع بعضها إلى الخروج من السوق.
ويشير إلى أن طبيعة القطاع السياحي تجعله الأكثر هشاشة أمام الأزمات، كونه يتأثر سريعا بالحروب والتوترات الإقليمية وعدم الاستقرار الاقتصادي.
ويرى أن تنشيط السياحة الداخلية يمكن أن يشكّل خط دفاع أول في مواجهة التراجع، إذا ما جرى دمج السائح المحلي بشكل فعّال في الاستراتيجية السياحية.
ويدعو عايش إلى إنشاء صندوق طوارئ يوفر مظلة حماية للعاملين والمنشآت عند الأزمات، إلى جانب تنويع الأسواق السياحية الخارجية واستقطاب شرائح جديدة من الزوار.
كما يشدد على ضرورة مراجعة كلف الإقامة والطاقة والضرائب، وتوسيع خيارات الطيران منخفض التكاليف، معتبرًا أن هذه الإجراءات قد تسهم في الحد من الخسائر وتعزيز استدامة القطاع السياحي في الأردن.
وبين منشآت أغلقت أبوابها وعاملين ينتظرون مصيرهم، يبقى القطاع السياحي في الأردن أمام اختبار صعب، في وقت ترتبط فيه قدرة صموده بسرعة احتواء تداعيات الحرب واستعادة الثقة بالمنطقة كوجهة آمنة للسياحة.