المرصد العمّالي الأردني –
اعتمدت منظمة العمل الدولية، التابعة للأمم المتحدة، خلال أعمال المؤتمر الدولي للعمل في دورته الـ114 التي انتهت يوم الجمعة الماضي في مدينة جنيف، أول اتفاقية دولية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، في خطوة تُعد الأولى من نوعها على المستوى الدولي لتنظيم أوضاع العاملين عبر المنصات الرقمية وضمان حقوقهم الأساسية في العمل.
وجاء اعتماد الاتفاقية استجابة للنمو المتسارع لاقتصاد المنصات الرقمية في مختلف أنحاء العالم، وما رافقه من تحولات جوهرية في سوق العمل، حيث وفرت هذه المنصات فرصًا جديدة للعمل والدخل وتطوير الأعمال، لكنها في الوقت ذاته أفرزت تحديات تتعلق بالحماية الاجتماعية وظروف العمل والأجور والحقوق الأساسية للعاملين.
وتنطبق الاتفاقية على جميع منصات العمل الرقمية وجميع العاملين عبرها، سواء كانوا يعملون في الاقتصاد المنظم أو غير المنظم، مع السماح للدول الأعضاء باستثناء فئات محدودة في ظروف خاصة وبعد التشاور مع ممثلي العمال وأصحاب العمل والجهات المعنية.
وأكدت الاتفاقية التزام الدول الأعضاء باحترام وتعزيز وإعمال المبادئ والحقوق الأساسية في العمل داخل اقتصاد المنصات، بما يشمل حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، والقضاء على العمل الجبري وعمل الأطفال، ومنع التمييز في الاستخدام والمهنة، وضمان بيئة عمل آمنة وصحية.
وفي مجال السلامة والصحة المهنية، ألزمت الاتفاقية الدول باتخاذ التدابير اللازمة للوقاية من إصابات العمل والأمراض المهنية والمخاطر الصحية المرتبطة بالعمل عبر المنصات الرقمية، كما منحت العاملين الحق في الامتناع عن أداء العمل أو الانسحاب من أي مهمة إذا كانت تشكل خطرًا وشيكًا وجسيمًا على حياتهم أو صحتهم، دون التعرض لأي عقوبات أو إجراءات انتقامية.
كما تضمنت الاتفاقية أحكامًا خاصة بحماية العاملين من العنف والتحرش في عالم العمل، بما في ذلك الأفعال التي ترتكب عبر الوسائل الإلكترونية أو من قبل العملاء والزبائن وغيرهم من الأطراف الثالثة.
وفي جانب الأجور، نصت الاتفاقية على ضرورة دفع المستحقات المالية للعاملين في الوقت المناسب وبالكامل وبوسائل قانونية، مع توفير معلومات واضحة ومفهومة حول الأجور والاقتطاعات. كما أكدت حق العاملين الذين تربطهم علاقة عمل بمنصات العمل الرقمية في الحصول على أجر لا يقل عن الحد الأدنى للأجور المطبق قانونًا أو المتفق عليه جماعيًا، حيثما وجد، إضافة إلى تعويضهم عن النفقات والتكاليف التي يتحملونها أثناء أداء العمل.
وشددت الاتفاقية على ضرورة تمكين العاملين عبر المنصات من الوصول إلى أنظمة الضمان الاجتماعي بشروط لا تقل عن تلك المطبقة على غيرهم من العاملين الذين يتمتعون بالوضع القانوني نفسه في سوق العمل.
ومن أبرز الجوانب التي تناولتها الاتفاقية تنظيم استخدام الخوارزميات وأنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة والذكاء الاصطناعي داخل المنصات الرقمية. وألزمت الاتفاقية المنصات بإبلاغ العاملين مسبقًا باستخدام هذه الأنظمة ومدى تأثيرها على فرص العمل وظروفه، كما منحت العاملين الحق في الحصول على تفسير خطي للقرارات المؤتمتة التي تؤثر سلبًا على عملهم، مثل تعليق الحسابات أو تعطيلها أو وقف المستحقات المالية أو إنهاء العلاقة التعاقدية.
وأكدت الاتفاقية كذلك على ضرورة وجود تدخل بشري مناسب في مراجعة القرارات المهمة التي تتخذها الأنظمة المؤتمتة، بما يحد من الآثار السلبية للاعتماد الكامل على الخوارزميات في إدارة العمل.
وفي إطار حماية الخصوصية، أوجبت الاتفاقية على الدول وضع ضمانات فعالة لحماية البيانات الشخصية للعاملين، ومنحهم الحق في الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها أو طلب حذفها وفقًا للتشريعات الوطنية ذات الصلة.
كما نصت الاتفاقية على حظر تعليق أو تعطيل حسابات العاملين أو إنهاء تعاقدهم لأسباب تمييزية أو غير قانونية، وإلزام المنصات بتوفير معلومات واضحة ومفهومة بشأن شروط وأحكام العمل أو التعاقد.
وتضمنت الاتفاقية أيضًا أحكامًا خاصة بحماية العمال المهاجرين واللاجئين العاملين عبر المنصات الرقمية، وضمان وصول جميع الأطراف إلى آليات فعالة وعادلة لتسوية النزاعات والحصول على سبل الانتصاف المناسبة.
وألزمت الاتفاقية الدول الأعضاء باتخاذ التدابير اللازمة لضمان الامتثال لأحكامها وإنفاذ التشريعات الوطنية ذات الصلة، مع التأكيد على عدم جواز أن تكون الحماية الممنوحة للعاملين عبر المنصات أقل من الحماية المقررة للعاملين الآخرين الذين يتمتعون بالوضع القانوني ذاته.
ومن المتوقع أن تشكل الاتفاقية مرجعًا دوليًا رئيسيًا للدول عند تطوير تشريعاتها الوطنية المتعلقة باقتصاد المنصات الرقمية، في ظل التوسع المستمر لهذا النمط من العمل وما يفرضه من تحديات جديدة على أنظمة العمل والحماية الاجتماعية حول العالم.