الرئيسية > ظروف عمل الخبّازين بالأردن.. بيئة عمل خطرة وغيابٌ للحماية

ظروف عمل الخبّازين بالأردن.. بيئة عمل خطرة وغيابٌ للحماية

الاربعاء, 28 كانون الثاني 2026
النشرة الالكترونية
Phenix Center
ظروف عمل الخبّازين بالأردن.. بيئة عمل خطرة وغيابٌ للحماية
المرصد العمّالي الأردني - رزان المومني
قبل أن يصل رغيف الخبز إلى موائد الأردنيين، يمرّ عبر أيدٍ أنهكها الوقوف الطويل، وصدورٍ امتلأت بغبار الطحين، وأجسادٍ تواجه لهب الأفران وآلات العجن الثقيلة يوميًا.

في الرابعة فجرًا، حين تكون المدينة لا تزال نائمة، يبدأ خبّازو الأردن يومهم بين أكياس الطحين وآلات العجن وأفران لا تهدأ نيرانها. يقفون لساعات طويلة في بيئة عمل حارّة خانقة، تحيط بهم مخاطر الحروق والإصابات وأمراض الجهاز التنفسي، مقابل أجور بالكاد تلامس الحد الأدنى لمستوى العيش الكريم.

وتكشف شهادات خبّازين وعجّانين التقاهم "المرصد العمّالي الأردني" الكلفة الصحية والإنسانية لرغيف الخبز، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى التزام الجهات المعنية بتطبيق قانون العمل، وحماية من يصنعون القوت اليومي للأردنيين.

أمام النار لساعات طويلة
يبدأ محمد، وهو خبّاز يعمل في أحد أفران العاصمة، يومه قبل بزوغ الفجر. يقول في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني" إنه يستيقظ مبكرًا ليجهّز أموره الشخصية، ثم يتوجه إلى العمل حيث يقضي ما بين 8 و10 ساعات يوميًا أمام الأفران.

ويصف محمد بيئة العمل بالقاسية، موضحًا أن المخاطر لا تقتصر على الحرارة المرتفعة، بل تمتد إلى غبار الطحين الذي يستنشقه يوميًا، متسببًا له بالتهابات في الأنف، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المخبز.

لكن الأخطر، كما يروي، هو الإصابات المتكررة التي باتت جزءًا من يوميات المهنة، إذ يقول: "تعرّضت لكسور في أصابعي بسبب آلات فتح العجين والعجن، إضافة إلى حروق كثيرة من الأفران".

ورغم خطورة العمل، يؤكد محمد أن أدوات الحماية الشخصية شبه غائبة، مشيرًا إلى أن أصحاب العمل لا يوفّرون أي وسائل وقاية، وحتى في حال توفير قفازات أو أحذية واقية، فإن الحرارة المرتفعة تجعل ارتداءها أمرًا بالغ الصعوبة.

ويلفت إلى أن قسوة بيئة العمل تتضاعف في المخابز الصغيرة، حيث ضيق المكان وسوء التهوية، ما يزيد من مشقة العمل. أما الأجور، فيختصرها بكلمة واحدة قائلًا إنها "متوسطة"، رغم المخاطر والضغط الجسدي المستمر.

ويطالب محمد بوجود نص قانوني يقلّص مدة الوردية الواحدة، للتخفيف من الوقوف الطويل والضغط البدني على العاملين.

الدقيق يأكل صدره
وعلى بعد أمتار من فرن مشتعل، يقف عبدالله، وهو عجّان في أحد مخابز محافظة إربد، محاطًا بسحب بيضاء من غبار الطحين. يقول عبدالله لـ"المرصد العمّالي الأردني" إنه يقضي ساعات طويلة داخل المخبز يخلط الطحين ويعجن العجين، ويستنشق الدقيق طوال اليوم.

ويضيف: "في البداية كنت أعاني من السعال فقط، أما اليوم فأعاني من ضيق في التنفس، خصوصًا في فصل الشتاء، بسبب ما أستنشقه يوميًا".

يبدأ عبدالله عمله قرابة الثالثة فجرًا، ولا يغادر مكانه قبل الظهيرة، وأحيانًا يعمل 12 ساعة متواصلة، خاصة في المواسم، دون فترات راحة كافية.

وتبدو آثار الوقوف المستمر والعمل أمام العجّانات الثقيلة واضحة على جسده، إذ يعاني من آلام مزمنة في الظهر والركبتين، نتيجة الوقوف الطويل والحمل المتكرر لأكياس الطحين التي يصل وزنها إلى نحو 50 كيلوغرامًا.

ويشير إلى غياب التدريب المهني، موضحًا: "تعلمنا العمل بالممارسة، ولا يوجد تدريب رسمي على إجراءات السلامة أو كيفية التعامل مع الآلات".

أما إصابات العمل، فيؤكد أنها غالبًا ما تُحل بعيدًا عن الجهات الرسمية، إذ يتكفّل العامل بعلاج نفسه، خوفًا من الإبلاغ وما قد يترتب عليه من مشاكل مع صاحب العمل أو فقدان الوظيفة.

يحمل الطحين على ظهره
وقبل أن تدور العجّانة، يدور جسد علاء تحت ثقل الأكياس. يعمل علاء عجّانًا في أحد مخابز العاصمة، وتبدأ مهمته اليومية بحمل أكياس الطحين التي يصل وزن الواحد منها إلى 50 كيلوغرامًا.

يقول علاء لـ"المرصد العمّالي الأردني" إنه يرفع الأكياس من الأرض ويصبّها يدويًا في العجّانة، مكررًا هذه العملية عشرات المرات يوميًا.

ويؤكد أن الجهد البدني المتواصل ترك أثره الواضح عليه، إذ يعاني من آلام حادة في الظهر والكتفين، وأحيانًا من تنميل في اليدين.

ويعمل علاء نحو عشر ساعات يوميًا بأجر يومي يبلغ 30 دينارًا، دون أي حماية اجتماعية، إذ لا يشمله الضمان الاجتماعي ولا يملك عقد عمل مكتوب. ويضيف أن أي إصابة يتعرض لها يعالجها على نفقته الخاصة، في ظل خوف دائم من تقديم شكوى قد تنتهي بخسارته لعمله.

فجوة بين القانون والواقع
تعكس شهادات العمّال خللًا بنيويًا في تطبيق التشريعات العمالية داخل قطاع المخابز، إذ تنص المادة (78) من قانون العمل الأردني على التزام صاحب العمل باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية العمال من أخطار المهنة، وتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية، في حين يؤكد العمال غياب أدوات الوقاية والتدريب.

كما تحدد المادة (56) ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا، بينما يعمل الخبّازون والعجّانون ما بين 10 و12 ساعة يوميًا دون بدل عمل إضافي. 

وتُلزم المادة (85) أصحاب العمل بتوفير بيئة عمل صحية من حيث التهوية والسلامة العامة، وهو ما يتناقض مع أوصاف العمال للمخابز الضيقة سيئة التهوية.

قطاع حيوي بظروف هشّة
بدورها، تقول عضوة المكتب التنفيذي لاتحاد نقابات عمّال الأردن، ورئيسة النقابة العامة للعاملين في المياه والزراعة والصناعات الغذائية، بشرى السلمان، إن قطاع المخابز يُعد من القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي، ويعمل فيه عشرات الآلاف من العمال موزعين على مئات المخابز في مختلف محافظات المملكة.

وتوضح أن المخابز تنقسم إلى مخابز آلية كبيرة، وأخرى نصف آلية ومتوسطة، إضافة إلى مخابز تقليدية صغيرة. وتشير إلى أن نسبة العمالة الوافدة مرتفعة في هذا القطاع، لا سيما في الأعمال الشاقة وطويلة الساعات، مقابل تراجع إقبال العمالة المحلية بسبب ضعف شروط العمل.

وتبيّن السلمان أن العمال يواجهون مخاطر متعددة، أبرزها التعرض المستمر للحرارة المرتفعة وغبار الطحين، وما يترتب عليه من أمراض تنفسية، إلى جانب الحروق والجروح والإجهاد البدني الناتج عن ساعات العمل الطويلة والعمل الليلي دون فترات راحة كافية.

وتضيف أن ضعف تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية في عدد من المخابز يضاعف من المخاطر، في ظل انتهاكات لحقوق أساسية، مثل عدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور وساعات العمل الإضافي، وغياب إشراك العمال في الضمان الاجتماعي، خاصة بين العمالة الوافدة، فضلًا عن التمييز في الأجور والمعاملة.

وتشير السلمان إلى أن النقابة تنفذ حملات توعوية وورش تدريبية ضمن إمكانياتها وبالتعاون مع منظمات دولية عند توفر الدعم، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام العدد الكبير للعاملين وانتشار المخابز، لافتة إلى أن خوف العمال من فقدان وظائفهم يمنع كثيرين من تقديم شكاوى رسمية.

وتنتقد ضعف تجاوب نقابة أصحاب المخابز، مؤكدة أن محاولات بناء علاقات صناعية متطورة لم تلقَ ترحيبًا، داعية في المقابل إلى تعزيز التفتيش وتفعيل العقوبات الرادعة بحق المنشآت المخالفة، واعتبار تحسين أوضاع عمال المخابز أولوية وطنية.

25 ألف عامل بلا حماية كافية
من جهته، يقول الخبير في الحمايات والتأمينات الاجتماعية موسى الصبيحي إن عدد المخابز في الأردن يقدَّر بنحو 3500 مخبز حديث وتقليدي، ويعمل فيها أكثر من 25 ألف عامل.

ويؤكد أن المخابز التقليدية مصنفة ضمن المهن الخطرة في قانون الضمان الاجتماعي، وأن نسبة كبيرة من العاملين في هذا القطاع ما تزال غير مشمولة بالضمان، إذ تجاوزت نسبة غير المشمولين 60% منذ عام 2018، ويرجّح استمرار التهرب التأميني حتى اليوم.

ويشدد الصبيحي على أن شمول العمال بالضمان الاجتماعي لا يقتصر على إصابات العمل، بل يشمل منظومة متكاملة من الحمايات، مثل تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، وتأمين التعطل عن العمل والأمومة، معتبرًا أن حماية العمال التزام قانوني في دولة تقوم على سيادة القانون والمؤسسات.

ويدعو مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى تنفيذ حملات تفتيش وتوعية مركزة على قطاع المخابز بالتنسيق مع الجهات المعنية، نظرًا لحجمه ومخاطره، كما يدعو إلى وضع خطة زمنية لإحلال العمالة الأردنية من خلال التدريب والتأهيل، لا سيما في المخابز الحديثة، مؤكدًا أن الأردنيين قادرون على تعلم هذه المهنة وممارستها.