Phenix Center
English
 

الرئيسية > الأمهات العاملات في مواجهة أعباء "التعليم عن بُعد"

الأمهات العاملات في مواجهة أعباء "التعليم عن بُعد"

الاحد, 18 تشرين الأول 2020
النشرة الالكترونية
Phenix Center
الأمهات العاملات في مواجهة أعباء

المرصد العُمّالي الأردني - هدى أبو هاشم
صدمة اجتاحت أمهات عاملات بعد قرار تحويل التعليم عن بعد إلى أجل غير مسمى، فتحمل هذه الفئة من الموظفات في كفيها مسؤوليات عدة تبدأ منذ الصباح الباكر في العمل الرسمي وفي تعليم أطفالهن عن بعد ولا تنتهي إلا ليلا بعد استكمال الواجبات المهنية والمنزلية كافة.  
أحدث قرار تعطيل المدارس في منتصف الأسبوع الماضي، جدلًا في صفوف الشارع الأردني، فبعد قرار التعليم بالتناوب، وقرار تعليق دوام طلبة المدارس كافّة 14 يوم في منتصف أيلول الماضي، باستثناء طلبة الصفوف من الأول حتى الثالث، إضافة إلى طلبة الثانوية العامة (التوجيهي)، قررت وزارة التربية والتعليم في 6 تشرين الأول/ أكتوبر تعليق الدوام لكافّة المراحل حتى إشعار آخر واعتماد نظام التعليم عن بُعد.
وسط تخبط القرارات الحكومية، برزت تحديات كبيرة يبدو أنها سقطت من اعتبارات متخذ القرار حينها، لعل من أبرزها وأكثرها ضررًا تلك التي ستواجه الأمهات العاملات والمخاطر الكثيرة التي ستحدق بأبناء هذه الفئة من العاملات جراء تركهم وحيدين في المنازل.
المشكلة القديمة الجديدة في القرارات الحكومية عامّة أنها في الغالب قرارات "مجتزأة" وخصوصًا تلك التي تم اتخاذها للتعامل مع الوباء والأزمة الناجمة عنه، ما يجعل من المشكلات أشد خطورة وأكثر تعقيدًا، بحسب الأمهات التي تواصل معهنّ "المرصد العُمّالي. 

وكانت الموافقة قد صدرت خلال أبريل الماضي على تشريع، يُعتقد أنه سيمكّن النساء من المواءمة بين مسؤولياتهنّ الأسرية، ومهنهنّ، هو نظام العمل المرن، الذي يحق للعامل بموجبه تخفيض ساعات العمل أو توزيعها خلال اليوم بما يتناسب مع احتياجات العامل والعمل، ضمن شروط محددة. كما يحق للعامل توزيع ساعات العمل على عدد أيام يقل عن عدد أيام الأسبوع المعتادة، أو توزيع هذه الأيام على أشهر محددة في السنة. إضافة إلى إمكانية العمل عن بعد، من دون الحاجة إلى التواجد في مكان العمل.

الأمهات العاملات والعبء المزدوج:
روان معلمة لغة عربية في إحدى المدارس الحكومية الابتدائية في الزرقاء، وأم لطفلتين، واحدة في الصف الثاني الابتدائي والأخرى في المرحلة الثانية من الروضة. تبدأ عملها من المنزل يوميًا من الساعة الحادية عشر صباحًا حتى الساعة السادسة مساءً، هذه الأوقات التي تسمح فيها روان لطالباتها، البالغ عددهن 60 طالبة، بمراسلتها لتلقي استفساراتهنّ، أو تسليم واجباتهنّ.
غالبًا لا يلتزمنَ الطالبات بالوقت المحدد، فيراسلنها حتى وقت متأخر من الليل، بدعوى انقطاعات الإنترنت، وهي لا تستطيع ضبط الأمور، نظرًا لأن ظروف طالباتها تختلف، ولا يمكنها حرمان إحداهن من السؤال أو تسليم الواجب بسبب التأخير في هذا الظرف، كما تقول روان. 
تتحدث روان عن معاناتها أثناء العمل من المنزل، بأن هاتفها لا يتوقف عن الرنين خلال هذه الفترة التي حددتها من النهار، وخلال الفترة ذاتها تقوم بإعطاء الهاتف لابنتها الأكبر لمشاهدة فيديوهات التعليمية. فعلى الرغم من وجود جهاز حاسوب محمول في المنزل، إلا أنها لا تفضل منحه لطفلتها، خوفًا من دخولها شبكة الإنترنت دون متابعة، أو تشتتها. أما طفلتها الأصغر فقد قررت توقيف دراستها بشكل تام، نظرًا لضيق الوقت وكمية الضغوطات التي تتحملها، مما يشعرها بأنها مقصرة بحق طفلتها.
تعاني روان، كما تصف، من ضغط هائل، إلا أنها تجد نفسها غارقة بين واجبات العمل والأولاد. "أنت كامرأة بتحسي إنه كل إشي على راسك، عم نخسر ولادنا بدراستهم، يعني الأم، بتشتغل وبدها تدرس ولادها، وتكون مضغوطة وغير قادرة على تدرسهم، وهم لا يستطيعون التركيز معها وهي منفعلة". 
تخبرنا رانيا وهي أم لطفلين في مدرسة حكومية، أحدهما في الصف الأول، والآخر في الصف الثالث الابتدائي؛ كيف أثّر عملها من المنزل عليها جسديًا، وتصف يومها بأنه أصبح يوم عمل رسمي تضاف إليه مهام الأمومة والمهام المنزلية في نفس الوقت.
تعمل رانيا في شركة اتصالات في قسم خدمة العملاء عبر الهاتف من مقر الشركة، بدوام يمتدّ من الثامنة صباحًا حتى الرابعة مساءً، ويعمل زوجها معها في أحد معارض الشركة نفسها، وتحصل على راتب يبلغ قدره 450 دينار شهريًا، ويحصل زوجها على 600 دينار شهريًا.

منذ بداية الحظر، تحول دوام رانيا وزوجها إلى العمل عن بعد، إلا أن زوجها عاد للعمل في معرض الشركة بعدها بأسبوعين، لتكمل هي عملها من المنزل، بالإضافة إلى المهام الرعائية، فرغم أن ابنها ما زال في مرحلة دراسية مبكرة، إلا أن ذلك لا يعني أن مهامه الدراسية قليلة، بحسبها، فهو يحتاج لإعادة شرح الدروس التي يشاهدها على الهاتف، ومتابعته أثناء أداء الواجبات المترتبة عليه.
قبل الحظر، كان ابنا رانيا يذهبان إلى المدرسة فترة ذهابها إلى العمل، ومع انتهاء الدوام يعودان إلى المنزل لتكون عليها مهمة مراجعة دروسهما فقط، بينما هي الآن مكلفة بأداء دور المعلمة، نظرًا لصعوبة تركيز طفل بهذا العمر بالدروس دون تفاعل مباشر.
إذ يُعتبر المحتوى المتاح من خلال منصة درسك (منصة حكومية للتعلّم عن بُعد) محتوى غير تفاعلي، ولا يعدو كونه محاضرات ينبغي على الطالب أن يتابعها من وراء شاشة الجهاز الإلكتروني، مما يُصعّب متابعة الطالب دروسه بمفرده أثناء غياب الأهل دون أن يكون هناك حاجة لإعادة الدروس له بمساعدة الأم أو الأب.
تفاوت الوقت بين المهام كان يشكّل عامل راحة لها، بينما تضطر في هذه الفترة لأداء أكثر من مهمة في نفس الوقت، "الآن كلّه مع بعض ما بلحق، فعليًا أهملت البيت، كل وقتي للشغل وللولاد"، تقول رانيا

يُضاف إلى ذلك، معاناتها من قلة تركيز في العمل، حيث تتطلب منها مهمة كانت تنجزها في السابق بعشر دقائق أكثر من نصف ساعة الآن، وهذا ما يجعلها تفكر أن أصحاب العمل ربما يظنون أنها تهدر وقتها في المنزل، وذلك بعد تنبيه لفظي يحثها على بذل جهد أكبر في تنفيذ أعمالها، ما يضعها في منافسة مع زملاء آخرين غير متزوجين أو ليس عندهم أطفال، ويزيد عليها الضغط النفسي والجسدي، ما يتسبب لها بشعور دائم بالقلق.

المرأة من منظور نفسي وعمّالي:
وكان بيان لمنظمات المجتمع المدني صدر، يوم الاثنين الماضي، أشار إلى أن الآثار الاقتصادية العميقة لجائحة كورونا مسّت معظم نساء الأردن بغض النظر عن وضعهنّ الاقتصادي، سواء كن عاملات في سوق العمل المنظم أو غير المنظم، لافتين إلى أن (التعليم عن بعد) ساهم في رفع توتر العلاقة بين أفراد العائلة الواحدة مما زاد من الحمل النفسي والمادي على الأم، خصوصا الأمهات العاملات في قطاع التعليم واللواتي يتحملنّ أدوارًا مركبة مثل تلبية متطلبات مهنة التعليم والواجبات المنزلية ورعاية الأسرة.
واعتبر البيان أن هذه التحديات وتبعاتها تجبر المرأة العاملة على الانسحاب من سوق العمل والتخلي عن عملها مدفوع الأجر لصالح عملها في الرعاية غير مدفوع الأجر في المنزل الأمر الذي سينعكس على المشاركة الاقتصادية للمرأة، المتدنية في الأصل قبل دخول الجائحة. 
من جهته يشير التربوي الدكتور عايش نوايسة إلى أن التحول إلى التعلم عن بعد، يشكّل تحدياً كبيراً للأسر الأردنية، وبشكل خاص الأسرة التي يعمل فيها الزوجان.
ويعتبر النوايسة أن قرار التحوّل في التعليم عن بعد أربك المشهد لدى الجميع، ولم تراع أجهزة الحكومة ووزارة العمل بشكل خاص ظرف الأم العاملة، وتشتتها بين الأوضاع الاقتصادية السيئة للأسرة، وبالتالي حاجتها للعمل لرفد دخل الأسرة، وبين متابعة تعلم الأبناء أثناء وجودهم في البيت، مؤكدًا أهمية دراسة الأبعاد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية عند اتخاذ قرار يخص شريحة كبيرة من المجتمع.
ومن المفروض أن تقوم وزارة التربية والتعليم، وفق النوايسة، بتوفير بدائل للأم العاملة لمتابعة تعليم أبنائها بعد انتهاء الدوام الرسمي، وعلى العكس من ذلك عملت الوزارة على جعل المنصة متاحة للساعة الرابعة عصراً بشكل مجاني وبعدها تسحب من رصيد الإنترنت الخاص للمستخدم، الأمر الذي عقّد من مهمة الأم أو الأب في متابعة تعليم الأبناء بعد مغادرتهم دوامهم الرسمي، فهم لا يستطيعون تحمل أعباء مالية جديدة والدفع لدخول المنصة بعد الساعة الرابعة.

يقول أحمد عوض، مدير المرصد العُمّالي الأردني، أن التعليم عن بُعد حمّل الأمهات العاملات أعباء ثقيلة في متابعة دروس أبنائهن إلى جانب عبء الوظائف الأسرية، خاصّة أمهات الطلبة في المراحل الأولى، باعتبار أنها مراحل أساسية وتحتاج إلى متابعة وإشراف كاملين.

وبيّن أن نظام العمل المرن لا يُفعّل على أرض الواقع إلا في عدد قليل من المؤسسات، ويرجع ذلك -بحسب عوض- إلى عدم فعالية تقنيات العمل عن بُعد، أو تخفيض ساعات العمل في مؤسسات القطاع الخاص. 

,يرى عوض أن نظام العمل المرن يحتوي على فجوات كثيرة، أهمها: أن صاحب العمل هو بيده صلاحية تنفيذ القرار من عدمه، والأولى أن يكون للعامل والعاملة الحق في استخدام نظام العمل المرن طالما أن العمل في صالح المنشأة.
يُذكر أن قرار وزارة التربية الأخير والمتعلّق بتعطيل دوام المدارس في كافة أنحاء المملكة حتى إشعار آخر، واعتماد نظام التعليم عن بعد، لاقى استنكارًا كبيرًا من مجلس نقابة المعلمين، إذ أكد المجلس على توصية لجنة الأوبئة ووزارة الصحة أن قرار الوزارة باعتماد التعليم عن بُعد، لا دليل على صحته وجدواه. 
وأكد المجلس على أهمية التعليم المباشر للطلبة في ضبط العملية التعليمية، واعطائها حقها الكامل، خلافًا لنظام التعليم عن بعد، ما دفعه إلى إطلاق حملة إلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي، تحت وسم "لا للتعليم عن بعد"، تزامنًا مع اليوم العالمي للمعلم الذي يُصادف 5 تشرين الأول من كلّ عام.